محمد بن محمد ابو شهبة
244
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ذلك البيئات المتحضرة أم المتبدية ، ولقد بلغ ببعض رجال الفلسفة اليونانية المشهورين أن قسم الناس إلى حر بالطبع ، وعبد بالطبع ! ! . وكان هنالك إسراف في النكاح ، وإسراف في الطلاق ، وكانت المرأة غالبا - مهضومة الحقوق ، لا يقام لها وزن ، ولا يسمع لها رأي ، وتورث كما يورث المتاع ، كما كانوا يتزوجون نساء الاباء ويجمعون بين الأختين ، بل قيل : إن اليهود بلغ من سفههم وبغيهم أنهم كانوا ينكحون المحارم ، وكانت بعض القبائل تئد البنات خشية العار ، وتقتل الأولاد خشية الفقر ، حتى جاء الإسلام فقضى على كل هذه المساوىء الاجتماعية ، وجعل الناس سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى . الأحوال الخلقية أما الجانب الخلقي وما اعتراه من فساد وانحلال وانتكاس وتدلّ إلى الحضيض فحدّث عن ذلك ولا حرج ، فمن انتهاك للأعراض ، وسطو على الأحرار ، وإغراق في المباذل الخلقية ، إلى معاقرة للخمر ، واقتراف للآثام ، ومن معاشرة للبغايا والقيان ، إلى اتخاذ الأخدان ، ومن استهانة بالدماء ، واغتصاب للأموال إلى تعامل بالربا ، وأكل أموال الناس بالباطل . وكانت المباذل والمفاسد الخلقية أكثر ما تكون في بلاط الأكاسرة ، وقصور القياصرة ، والملوك والأمراء ، وقد كانت هذه المفاسد الخلقية من أكبر الأسباب في انحلال الدولتين الكبيرتين آنذاك : فارس والروم ، وأن سارع إليهما الهرم ، فالفناء والزوال . الأحوال السياسية وكان التعدّي والإغارة على الغير أمرا يكاد يكون سائدا بين قبائل العرب ، وكانت تثور بينهم الحرب لأتفه الأسباب ، من أجل ناقة ، أو سباق فرس ، فتستمر السنين ، وتأكل الشباب والشيب ، ولم تكن الحروب تفتر أيضا بين الدولتين اللتين كانتا تقتسمان العالم في هذا الوقت : دولتي فارس والروم ، وقد كان هذا من العوامل التي جعلتهما تهويان تحت ضربات الجيوش الإسلامية المظفّرة ، وقد زالت دول البغي والطغيان ، وانتشرت شريعة السلام ، والحق ،